عدنان بن عبد الله القطان

4 ذو القعدة 1443 هـ – 3 يونيو 2022 م

——————————————————————————–

 

الحمد لله الذي أمرنا بالبر والإحسان، وجعل الإحسان إلى الجار من الإيمان، نحمده سبحانه جعل القيام بحق الجار من كمال الإيمان، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد المنان، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، السابق إلى كل خير وإحسان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.

أمّا بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)

معاشر المسلمين: إن الروابط بين الناس كثيرة، والصلاتِ التي تصلُ بعضَهم ببعض متعددة، فهناك رابطةُ القرابة، ورابطةُ النسب والمصاهرة، ورابطةُ الصداقة، ورابطةُ الجوار، وغيرها من الروابط التي تقوم الأمم بها وتقوى بسببها، فمتى سادت هذه الروابط بين الناس على أساس من البر والتقوى والمحبة والرحمة، عظمت الأمة وقوي شأنها، ومتى أُهملت هذه الحقوق وانفصمت عرى تلك الروابط، شقيت الأمة وهانت وحل بها التفكك والدمار، من أجل ذلك -عباد الله- جاء الإسلام بمراعاة هذه الروابط وتقويمها وتمكينها وإحاطتها بما يحفظ وجودها ويعلي منارها بين المسلمين…

ومن بين هذه الروابط العظيمة التي دعمها الإسلام وأوصى بمراعاتها وشدّد في التقصير في حقوقها وواجباتها رابطةُ الجوار، تلك الرابطةُ العظيمة التي فرّط كثير من الناس فيها إلا من رحم الله، ولم يرعوها حق رعايتها؛ إما جهلاً منهم بحقوق الجوار، وإمّا تناسياً لها، أو لا مبالاة بأذى الجار والاعتداء عليه، مما سبب التنافر والتباغض بين المسلمين، بل والعداء والكيد فيما بينهم، أفراداً وجماعات، وأمماً.

أيها الإخوة والأخوات في الله: الجار هو من جاورك جواراً شرعياً، سواء كان مسلماً أم غير مسلم، برًّاً أم فاجراً، صديقًاً أم عدواً، محسناً أم مسيئاً، قريباً أم أجنبياً. وللجار مراتبُ بعضُها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه وقرابته ودينه وخلقه، فيُعطى كلٌّ بحسب حاله وما يستحق..  فالجار الملاصق لك في الدار ليس كالبعيد، وله ما ليس للبعيد، والجارُ ذو القربى ليس كالجار الجُنب، وصاحبُ الدين ليس كالفاسق المؤذي. وكما يكون الجوار في المسكن فيكون في العمل والسوق والمسجد والسفر والمدرسة والجامعة ونحو ذلك

عباد الله: لقد أوصى الإسلام بالجار وأعلى من قدره، فللجار في الإسلام حرمة مصونة وحقوق كثيرة، لم تعرفها قوانين وشرائع البشر والدول، تلك القوانين والشرائع الوضعية التي تتنكّر للجار وتستمرئ العبث بحرمته. فقد قرن الله تعالى حق الجار بعبادته وتوحيده وبالإحسان للوالدين واليتامى والأرحام، فقال عز من قائل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ. والجار ذو القربى: هو الذي بينك وبينه قرابة أو مَن قرب جواره، وقيل: المسلم.. والجار الجنب: الذي ليس بينك وبينه قرابة، أو غير المسلم..

 هذه وصية الله عز وجل في كتابه، أما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت في صورة جليلة وتعبير مستفيض لمعاني وحقوق الجار، والوصاية به، والصيانة لعرضه، والحفاظِ والسترِ لعورته، وغضّ البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه ويسيء إليه، يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) ويقول صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ) وكل من كان مجاوراً لك من جهة من الجهات فهو جارٌ، الأقرب فالأقرب. وروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : (الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ  وَهُوَ أَدْنَى الْجِيرَانِ حَقًّاً، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ:  فَجَارٌ مُشْرِكٌ لا رَحِمَ لَهُ ، لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ : فَجَارٌ مُسْلِمٌ، لَهُ حَقُّ الإِسْلامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: فَجَارٌ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ، لَهُ حَقُّ الإِسْلامِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ ، وَحَقُّ الرَّحِم)

أيها المؤمنون والمؤمنات: إن حقوق جيراننا علينا كثيرةٌ عديدة، وكلُّها حقوق عظيمة، لا يجوز التساهلُ فيها أو الإخلال بها. وتَرْجعُ الحقوق بين الجيران في أصولها إلى أربعة حقوق: الأول: كفّ الأذى، فقد جاء الزجر الأكيد والتحذير الشديد في حق من يؤذي جاره؛ لأن الأذى بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريماً، يقول صلى الله عليه وسلم: (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ). ويقول صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) البَوَائِقُ الشُّرُورُ والأذى.. ويقول صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ) وفي الحديث، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: امْرَأَةٌ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، (سليطة اللسان) قَالَ: لا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: فَامْرَأَةٌ تُصَلِّي المكتوبة وتصوم رمضان، وَتَصَّدَّقُ مِنْ أَثْوَارِ الأَقِطِ، أي: (القطعة الكبيرة من الأقط، اللبن المجفف) وَلا تُؤْذِي أَحَداً بِلِسَانِهَا، قَالَ (هِيَ فِي الْجَنَّةِ).. بل جاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو أذى جَاره فَقَالَ له: (اذْهَبْ فَاصْبِرْ). فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًاً، فَقَالَ: (اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ). فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ!! فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئاً تَكْرَهُهُ. (وندم على أذيته وتاب منها). فهل بعد هذه الأحاديث وهذا الترهيب الشديد من أذى الجار يتساهل متساهل بحقه ويتعرض لأذيته؟! فكم- وللأسف- بيننا من صورٍ مشاهدةٍ ملموسةٍ للإخلال بهذا الحق العظيم بين الجيران في مثل مضايقة الجار بإيقاف السيارات أمام بابه لتُضيّق عليه دخولَه وخروجه، ومِنْ تركِ المياه تتسرب أمام منزله، وإيذائه بالروائح الكريهة المنبعثة من مياه المجاري والمزابل ونحوها، ومن إيذائه بمخلفات البناء التي لا داعي لبقائها أمام منزل الجار، أو إيذائه بالاعتداء على حقوقه كأخذ شيء من أرضه والتعدي على حدوده بإزالةٍ أو تغيير، أو بالسرقة من الجار وأخذ شيء من متاعه، سواء في العمل أو المدرسة أو السوق ونحو ذلك، فقد جاء عن الْمِقْدَاد بْنَ الأَسْوَدِ رضي الله عنه  قال : (سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَنِ السرقة؟  قَالُوا حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ لأَنْ يَسْرِقَ مِنْ عَشَرَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ).. أيها الأخوة والأخوات في الله: ومن صور الأذى للجيران التعدي على الجار بإيذاء أبنائه أو العبث بسيارته وممتلكاته، والإزعاج برفع الأصوات، كصوت الموسيقى والغناء المزعج، أو لعب الصبيان، أو بالشجار، أو لعب الأولاد بالكرة، أو بطرق الأبواب، أو إطلاق منبّهات السيارات والإزعاج بها، وخاصة في وقت النوم والراحة، فكل هذه صورٌ من الأذى المحرم بين الناس وبين الجيران من باب أولى. وقد تساهل فيها بعض الناس أصلحهم الله وهداهم.

عباد الله: ومن صور أذية الجيران، تأجير من لا يرغبون في إسكانه بينهم، كحال من يؤجر للعزّاب أو الفسقة بين البيوت الآهلة بالحُرم والعوائل، أو كحال من يؤجر المحلات التي تجلب الضرر والأذى على الجيران، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (ومذهب أحمد ومالك أن يمنع الجار من أن يتصرف في خاص ملكه بما يضرّ بجاره).. وقريب من هذا أن يبيع الرجل ما يملكه من منزل أو أرض دون عرض ذلك على جيرانه، يقول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَأَرَادَ بَيْعَهَا فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى جَارِهِ)..

ومن أعظم وأخطر صور الأذية للجار الخيانةُ والغدر به، كالتجسس عليه، والوشايةِ به عند أعدائه، وتتبع عوراته والنظر إلى محارمه والتلصص عليه في الخفاء، أو حال زيارةِ الجيران لأهله، فإنه من أقبح الخصال وأحطِّها، ولا يصنع ذلك إلاّ لئيم خسيسُ الطبع، فإن العرب على جاهليتها كانت تأنف من مثل هذه الخصال الدنيئة وتأباها وتفخر بالترفّعِ عنها كما قال عنترة بن شداد العبسي:

وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي

                                          حتى يُواري جارتي مأْواها

أين هذا من أخلاق وتصرفات بعض قليلي المروءة والحياء هداهم الله، حين ينتظرون جاراتهم ويرقبونهن حال دخولهن وخروجهن من بيوتهن؟! وأين هذا من فعل ذلك الغادر الخائن لجاره حين عاكس جارته عبر الهاتف أو وسائل التواصل الحديثة، أو جلس أمام منزلها مقابلاً لبابها، أمام منزله أو دكانه أو مكتبه؟! فكم -وللأسف الشديد- تقع حالاتٌ من الخيانة والغدر والأذية في الأعراض بين الجيران، بل أغلبُ ما تكون هذه الأفعالُ الدنيئة صادرةً من جار على جاره -والعياذ بالله- أو جارة سيئة مع جارها، تُبدي له زينتها وتتبرج أمامه، ما قد ينتج عنه خيانةٌ وغدر بالأعراض عن طريق ارتكاب المنكرات والفواحش بين الجيران، وهذا في غاية الفحش والبشاعة؛ لأن فاعل ذلك قد جمع جرائم عدّة، كلُّ جريمة أكبرُ من أختها، من الاعتداء على حق الله، وعلى حق الزوج، وهتك حرمة الجار الذي ينتظر من جاره أن يصونه ويحافظ على عرضه حال غيابه… ولهذا جاء الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم محذراً كلَّ معاكسٍ وغادرٍ ومتطلع على عورات جيرانه ونسائهم فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّاً وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)

ألا فليتق الله أولئك الغادرون الخائنون الذين يتصيدون الفرص وينتهزون الأوقات ليخونوا جيراناً لهم ويؤذوهم ويغدروا بهم، عن طريق المعاكسات الحيّة والهاتفية، ووسائل التواصل الحديثة، أو عن طريق النظر والمراسلة، فإن جُرْمَ ذلك عظيم وخطرَه جسيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينًا). جعلنا الله وإياكم مِن المحسنين إلى جيرانهم، ومِن أهل الإحسان في التجاور والقرب والجِوار، إنه سميع مجيب الدعاء.

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وبهديِ سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله العزيز الغفّار الواحد القهّار مصرّف الأمور ومقدّر الأقدار، أوصى بالإحسان إلى الجار، ووفق من اجتباه ليكون من الأخيار،

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واقدروا الجار حق قدره، واحذروا أذيته، فهو أول حق لكل جار على جاره، أن يكفّ أذاه عنه، بأي صورة كان الأذى، حسيًّاً كان أم معنويًّاً، في دينه أو ممتلكاته أو عرضه وهو أشدّ.

أيها الإخوة والأخوات في الله: وثاني حقوق الجار على جاره: حمايتُه، فمن الوصاية بالجار ومن حقه حمايتُه، سواء أكان ذلك في عرضه أم في بدنه أم في ماله، فقد كانت العرب تفاخر بحماية الجار حتى ملأت أشعارهم ودواوينهم:

وإني لأحمي الجار من كل زلةٍ

                                   وأفرح بالضيف المقيم وأبهج

أما ما يحدث اليوم لدى ضعاف النفوس والإيمان، من إخلال بهذا الحق بين الجيران فأمر لا يجوز، كاحتقاره والسخرية به، إما لفقره أو لجهله أو بكشف أستاره؛ لأن الجار أقرب الناس إلى جاره، أو بتتبع عثراته والفرح بزلاّته، أو تنفير الناس من الجار إذا أرادوا خِطبة منه أو تعاملاً معه، كل ذلك دون ما مناسبة وإنما لؤماً وخسّةَ طبع وقلّة دين..

عباد الله: وثالث الحقوق بين الجيران: الإحسان، فلا يكفي الإنسان في حسن الجوار أن يكفّ أذاه عن جاره، أو أن يدفع عنه بيده أو جاهه يداً جائرة أو لساناً مقذعاً، بل يدخل في حسن الجوار أن يحسن إليه في كافة وجوه الإحسان، فذلك دليل الفضل وبرهانُ الإيمان وعنوانُ الصدقِ والعرفان، يقول صلى الله عليه وسلم: (ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ والْيوْمِ الآخِرِ فَلْيُحسِنْ إلِى جارِهِ) وفي رواية: (فليكرم جاره). فمن حسن الجوار أن تعزّي جارك عند المصيبة، وتهنئه عند الفرح، وتعودَه عند المرض، وتبدأه بالسلام، وتُطلق له وجهك عند اللقاء، وترشدَه إلى ما ينفعُه في أمر دينه ودنياه، وتواصلَه بما تستطيع من ضروب الإحسان، فقد يكون محتاجاً مُعدماً، أو قد ركبته الديون، أو لديه مريض، أو في البيت أرامل وأيتام، وأنت لا تعلم عنهم شيئاً، وهم أولى بالإحسان من الأباعد

 ومن الإحسان للجيران تفقّدهم بالطعام، فمع أنه لا يكلف شيئاً إلا أن الغفلة عنه بين الجيران كبيرة، وآثاره في التآلف بينهم عظيمة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: (إِنَّ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًاً فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه).ومن صور الإحسان بين الجيران التهادي بينهم، فقلّ أن يسلم الجيران من هفوات وزلاّت، فتأتي الهدية لتزيل وتذيب ما قد يحصل في نفوس من حزازات وظنون سيئة.

عباد الله: ورابع الحقوق بين الجيران: احتمال أذى الجار، وأن يتجاوز عن هفواته، ويتلقى بالصفحِ كثيراً من زلاّته وإساءاته، ولا سيما إن صدرت عن غير قصد، فاحتمال أذى الجار وترك مقابلته بالمثل من أرفع الأخلاق وأعلى الشيم، وقد فقه السلف الصالح هذا المعنى وعملوا به، روي عن الحسن البصري رحمه الله قوله: (لَيسَ حُسنُ الجِوَارِ كَفَّ الأذى ولكن حُسن الجِوَارِ الصَّبرُ عَلَى الأَذَى). وكم نرى ونسمع من مخالفات لهذا الحق بين الجيران، فكم من الناس من هو كثيرُ الخصومة والملاحاةِ مع جيرانه، يشاجرُ على كل صغيرة وكبيرة، وربما وصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، أو تطوّرَ إلى الشُرطِ والمحاكم، وعلى أمور لا تستدعي. وكم من جيران تهاجرُوا وتقاطعُوا عند أسباب تافهة أو ظنون سيئة، أو لخلافات يسيرة، لا تستدعي ما وصلت إليه..

فالواجب على الجيران احتمالُ بعضهم بعضاً، فإذا ما حصل نزاع أو خصومة سعى الأخيار

في الإصلاح بين المتنازعين، وعلى الجار أن يقبل بالصلح ويفرح به ويشكرَ من سعى له، لا أن يرفض ويستعلي… فالجار أولى بالعفو من غيره، والتغاضي عن زلته خصوصاً إذا كان ذا فضل وإحسان.

وَإِذا الحبيب أَتَى بذنب واحدٍ

                                    جَاءَت محاسنُه بِأَلف شَفِيع

اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنك، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم اجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين، اللهم آمنا في وطننا وفي خليجنا ووفق ولاة أمورنا، وفق ملكنا حمد بن عيسى وولي عهده رئيس وزرائه سلمان بن حمد اللهم وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة يارب العالمين..

اللهم كن لإخواننا المستضعفين المضطهدين في كل مكان ناصراً ومؤيداً ومعيناً.

اللهم أحفظ المسجد الأقصى، وفك الحصار عنه، واحفظ المرابطين فيه واجعله شامخاً عزيزاً عامراً بالطاعة والعبادة إلى يوم الدين.

اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبواب القبول والإجابة، اللهم تقبَّل طاعاتنا، ودعاءنا، وأصلح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتب علينا، واغفر لنا ولوالدينا ولموتانا وموتى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ وَزِدْ وَبَارِكَ عَلَىَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

          خطبة جامع الفاتح الإسلامي – عدنان بن عبد الله القطان – مملكة البحرين